ابن عربي

300

مجموعه رسائل ابن عربي

الحافظين . . . وإعلم أن اللسان إذا تحقق في مراعاة ما توجه عليه من الشارع ووقف عندما حد له فاشتغل بالواجب عليه فيه كشهادة التوحيد وقراءة القرآن في بعض المواطن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ذات البين وشهادة التعيين وتبيين العالم وإرشاد الضال ورد السلام إلى ما أشبه ذلك كله وهذا كله من الترغيبات في النطق المقرب إليه كتلاوة القرآن ودوام التسبيح والتحميد وجميع الأذكار والمواعظ كما يجب عليه الكف عن التضريب بين الناس والفرية والجهل من القول والنميمة والغيبة وكل نطق مذموم شرعا فإذا تحقق العبد بهذه الأوصاف على ما حد له كان مالكا للسانه وشهابا ثاقبا للشيطان ويسمى هذا صاحب لسان وله كرامات ومنازل كما تقدم في أصحابه من الأعضاء ومنازله العالية المرادة بالعبد منزلتان عظيمتان لا شيء فوقهما . المنزلة الأولى : أن تتلو على الحق جل جلاله كتابه على ما حد وضعه ورسمه للعارفين المتحققين كما سنبين لك في داخل الباب . والمنزلة الثانية : هي أن يتلو الحق عليك كتابه على حد يريده وأنت تسمعه وكانت الأولى على ما اشترطنا أن نلقي هذه المنزلة في إدراك السمع فإن العبد هو سامع لا متكلم لكن الاشتراك الإلهي في التلاوة التي تقف عليها إن شاء اللّه تعالى أخرناها إلى هذا الفصل ( الكرامات ) فمنها مكالمته للعالم الأعلى ومحادثته لهم فإن العبد قد يتحقق بالسماع فيكون ممن ينادي ويهتف به وإذا تكلم لا يرد عليه فإذا صحت المكالمة بينه وبينهم وتنازعوا الحديث فما كان من حديثه لهم فمن جهة تحققه بلسانه وما كان من حديثهم له فمن جهة تحققه بإذانه وما كان من مشاهدته لهم فمن جهة تحققه ببصره وهكذا في الأعضاء المذكورة وذلك للمناسبة التي بينهم والترتيب الحكمي الاختياري فمن ترتب ورتب فذلك الحكيم . . . ومنها أيضا نطقه بالكون قبل أن يكون والأخبار بالمغيبات والكائنات قبل حصول أعيانها في الوجود وهي عند القدوم ( رضي اللّه عنهم ) على ثلاثة أضرب القاء وكتابة ولقاء وكان تقي بن مخلد ( رحمه اللّه ) قد جمعها وكان صاحبا للخضر ( ع ) شهر عنه هذا وعاين من الرجال الذين صفتهم هذه جماعة وشاهدناها من ذاتنا غير مرة ومن هذا المقام ينتقلون إلى مقام كريم يقولون فيه للشيء كن فيكون بإذن اللّه تعالى مقام كريم ومشهد عظيم قاله عيسى ( ع ) في إحيائه الموتى وإبرائه الأكمة والأبرص كل ذلك بإذن اللّه تعالى وكذلك إبراهيم ( ع ) حين صار الأطيار جعل على كل جبل منهن جزءا بعد ما قطعهن ومزج لحومهن بعضها